عقيدة نتنياهو الأمنية الجديدة: هل هي استراتيجية أم مناورة انتخابية؟

عقيدة نتنياهو الأمنية الجديدة: هل هي استراتيجية أم مناورة انتخابية؟

كشف رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو عن عقيدة أمنية وطنية محدثة، تركز بشكل أساسي على مبدأ العمل العسكري الوقائي وتوسيع نطاق المناطق العازلة في المناطق الحدودية. تهدف هذه الرؤية إلى تعزيز القدرات الدفاعية الإسرائيلية من خلال استباق التهديدات قبل وقوعها، مما يثير تساؤلات عميقة حول الأهداف الاستراتيجية طويلة المدى لهذه التحركات. كما يرى مراقبون أن هذا التوقيت الحساس قد لا يكون عسكرياً بحتاً، بل قد يحمل أبعاداً سياسية تهدف إلى تعزيز موقفه الداخلي وتأمين استمراريته في السلطة وسط الضغوط المتزايدة.

ما هي عقيدة نتنياهو الأمنية الجديدة؟

أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو عن تحديث شامل للعقيدة الأمنية الوطنية، وهو مشروع تم تطويره بالتعاون مع مجلس الأمن القومي الإسرائيلي. تتبنى هذه العقيدة نهجاً يمنح الأولوية للعمل العسكري الاستباقي بدلاً من سياسات الاحتواء التقليدية. ووفقاً للوثيقة التي نشرها مكتب رئيس الوزراء، فإن الهدف هو منع التهديدات المتصورة من خلال التدخل العسكري المباشر، وهو نهج تجسد بالفعل في الحروب والهجمات المتعددة التي شنتها إسرائيل على جيرانها خلال السنوات القليلة الماضية.

تتضمن هذه الرؤية الجديدة التركيز على توسيع 'المناطق العازلة'، وهو ما يعني السيطرة على أراضٍ في دول مجاورة لتأمين الحدود. وتعتمد هذه العقيدة على رسم خريطة جديدة للتحالفات الإقليمية، حيث تسعى إسرائيل من خلالها إلى بناء شبكة من الشركاء لمواجهة التهديدات المتزايدة، مما يعكس تحولاً من الدفاع السلبي إلى المبادرة العسكرية والدبلوماسية النشطة.

ما هو الهدف من توقيت إعلان العقيدة؟

يحمل توقيت الكشف عن هذه العقيدة، الذي جاء قبل تسعة أيام فقط من الانتخابات البرلمانية الإسرائيلية، دلالات سياسية عميقة. يواجه نتنياهو تحديات سياسية كبرى، تشمل محاكمته في قضايا فساد، وانتقادات حادة حول كيفية تعامله مع هجمات 7 أكتوبر 2023 والحروب التي تلتها. وفي هذا السياق، يسعى نتنياهو إلى تعزيز صورته كـ 'السيد أمن' (Mr. Security)، آملاً في جذب أصوات الناخبين الذين قد لا يتفقون مع سياساته الأخرى، لكنهم يرون فيه القائد الأكثر قدرة على حماية البلاد.

خلال الإيجاز، أثار نتنياهو مخاوف بشأن مستقبل العلاقات مع الولايات المتحدة، محذراً من احتمال وصول إدارة 'معادية للغاية لإسرائيل' إلى السلطة في واشنطن بعد انتهاء رئاسة دونالد ترامب في غضون عامين. وبناءً على ذلك، جادل بأن على إسرائيل توسيع شبكة تحالفاتها وتطوير قدراتها لتصبح 'أصلاً قيماً' للدول الأخرى، مما يضمن حمايتها حتى لو تغيرت السياسة الأمريكية. ويرى المحللون أن هذا الطرح يهدف إلى تصوير قيادته كضرورة حتمية للتنقل بين التحديات العسكرية والعزلة الدبلوماسية.

كيف تؤثر العقيدة على التحالفات الإقليمية؟

استخدم نتنياهو خريطة توضح التكتلات الإقليمية المتنافسة، وهي خريطة تعكس تعقيد التحالفات والخصومات في الشرق الأوسط وأجزاء من أفريقيا. تظهر الخريطة وجود تحالفات تضم دولاً، وكيانات غير معترف بها، وفاعلين غير حكوميين. ومن أبرز ما جاء في هذه الخريطة ما يسمى 'تحالف السداسي' (Hexagon Alliance) الذي يضم إسرائيل والإمارات العربية المتحدة، مقابل 'تحالف الماس السني' (Sunni Diamond Alliance) الذي يضم مصر وتركيا وباكستان والمملكة العربية السعودية، والتي وقعت الثلاث الأخيرة ميثاق مكة للدفاع المشترك في أغسطس.

في المقابل، تبرز الخريطة إيران وحلفاءها الإقليميين ككتلة منفصلة. ويهدف هذا الإطار إلى توضيح الحاجة الإسرائيلية لبناء تحالفات واسعة لمواجهة التهديدات المتعددة. ومع ذلك، فإن هذا النهج الذي يعتمد على توسيع السيطرة العسكرية والمناطق العازلة يثير مخاوف جدية؛ حيث حذر مهند هجي علي، نائب مدير الأبحاث في مركز مالكولم كيه كيرني للشرق الأوسط، من أن السعي وراء توسيع السيطرة العسكرية قد يؤدي إلى 'مزيد من الصراعات ومزيد من التطهير العرقي' تحت غطاء تأمين المناطق العازلة، مستشهداً بالاحتلال الإسرائيلي الحالي في غزة وجنوب لبنان.

ما هي ردود الفعل على العقيدة الأمنية؟

لم تمر العقيدة الجديدة دون معارضة شديدة من الخصوم السياسيين لنتنياهو. فقد وصف غادي أيزنكوت، أحد أبرز منافسيه في الانتخابات المقبلة، الوثيقة المنشورة بأنها 'صفحتان فارغتان مليئتان بالشعارات التي لا علاقة لها بأي مفهوم أمني حقيقي'. كما وصف رئيس الوزراء السابق يائير لابيد الوثيقة بأنها 'سطحية'.

من الناحية التحليلية، يرى خبراء مثل مهند هجي علي أن العرض الاستراتيجي لنتنياهو يركز على إثارة المخاوف الوجودية لدى الناخبين الإسرائيليين. هذا الإطار من التهديدات المتنافسة والمناطق العازلة يعمل على 'تنشئة ورعاية المخاوف الوجودية'، مما يدفع الناخبين للشعور بالحاجة إلى قائد حاسم. وبذلك، يحاول نتنياهو تقديم نفسه كـ 'الشيطان الذي تعرفه' (the devil you know)، وهو الخيار المألوف للناخبين المترددين في قبول التغيير السياسي في أوقات حساسة.

ما هي المخاطر الدبلوماسية للعقيدة؟

تتضمن العقيدة الجديدة عنصراً مثيراً للجدل، وهو تصنيف فاعلين غير حكوميين ككيانات صديقة. تظهر الخريطة التي عرضها نتنياهو مناطق تسيطر عليها قوات الدعم السريع في السودان والجيش الوطني الليبي بقيادة خليفة حفتر كأطراف تتعاون مع إسرائيل والإمارات. ترى إسرائيل في هذه المجموعات شركاء براغماتيين أو كيانات تعاونية ضمن الشبكة الاستراتيجية الأوسع.

ومع ذلك، فإن هذا الربط العلني بين إسرائيل وهذه المجموعات قد يحمل مخاطر دبلوماسية كبيرة. فمن جهة، قد يضر هذا الارتباط بالشرعية المحلية لهذه المجموعات، ومن جهة أخرى، قد يؤدي إلى تعزيز الدعاية المضادة لإسرائيل من قبل خصومها الإقليميين، مما يزيد من عزلة إسرائيل الدبلوماسية بدلاً من تقليلها، ويحول الاستراتيجية من بناء تحالفات مستدامة إلى مواجهة صراعات أوسع نطاقاً.

الأسئلة الشائعة

ما هي أهداف عقيدة نتنياهو الأمنية الجديدة؟

تهدف العقيدة إلى الانتقال من سياسة الاحتواء إلى سياسة العمل العسكري الوقائي، مع التركيز على توسيع المناطق العازلة وبناء شبكة تحالفات إقليمية لضمان الأمن القومي الإسرائيلي.

لماذا تم الإعلان عن العقيدة قبل الانتخابات الإسرائيلية؟

يُعتقد أن التوقيت يهدف إلى تعزيز صورة نتنياهو كقائد أمني قوي وضروري، خاصة في ظل التحديات السياسية والمحاكمات التي يواجهها، ولطمأنة الناخبين القلقين من التهديدات الإقليمية.

كيف تصف العقيدة التحالفات في الشرق الأوسط؟

تقسم العقيدة المنطقة إلى كتل متنافسة، مثل 'تحالف السداسي' الذي يضم إسرائيل والإمارات، و'تحالف الماس السني'، مقابل محور إيران وحلفائها، مع إدراج فاعلين غير حكوميين كشركاء محتملين.

ما هي الانتقادات الرئيسية الموجهة لهذه العقيدة؟

وصف المنافسون السياسيون العقيدة بأنها 'شعارات فارغة' و'سطحية'، بينما حذر محللون من أن نهج المناطق العازلة قد يؤدي إلى مزيد من الصراعات والتطهير العرقي.

الاستنتاجات الرئيسية

  • أعلن نتنياهو عن عقيدة أمنية جديدة تركز على العمل العسكري الاستباقي وتوسيع المناطق العازلة.
  • يُنظر إلى توقيت الإعلان كاستراتيجية انتخابية لتعزيز مكانة نتنياهو كقائد أمني في مواجهة خصومه.
  • تعتمد العقيدة على خريطة تحالفات معقدة تشمل دولاً وكيانات غير حكومية.
  • واجهت الوثيقة انتقادات سياسية ووصفها المنافسون بأنها تفتقر للمحتوى الأمني الحقيقي.
  • يحذر الخبراء من أن هذا النهج قد يؤدي إلى زيادة الصراعات الإقليمية والمخاطر الدبلوماسية.
يوسف المنصوري

يوسف المنصوري صحفي ومحلل سياسي مغربي متخصص في العلاقات الدولية والشؤون الدبلوماسية. يتابع عن كثب التطورات السياسية في العالم العربي وأفريقيا وأوروبا، ويهتم بشكل خاص بقضايا التعاون الإقليمي والتحولات الجيوسياسية. يتميز بأسلوب تحليلي يجمع بين الدقة والوضوح.