تحولات العلاقات بين أمريكا اللاتينية وإسرائيل في ظل القادة الجدد

تحولات العلاقات بين أمريكا اللاتينية وإسرائيل في ظل القادة الجدد

تشهد المنطقة تحولاً دراماتيكياً في مسار العلاقات بين أمريكا اللاتينية وإسرائيل، حيث تراجعت سياسات العزل التي سادت سابقاً نتيجة الحرب على غزة. تبرز اليوم موجة من القادة الجدد الذين يتبنون توجهات مغايرة تماماً، مدفوعين بتأثيرات سياسية وأيديولوجية عميقة. هذا التغير لا يقتصر فقط على التحالفات السياسية الرسمية، بل يمتد ليشمل دوراً محورياً تلعبه الجماعات الإنجيلية التي تضغط بقوة لتعزيز الروابط مع تل أبيب. كما تشير التقارير إلى أن صعود التيارات اليمينية في دول مثل الأرجنتين يساهم في تسريع هذا التقارب الاستراتيجي، مما يعيد رسم خارطة التحالفات الإقليمية في القارة اللاتينية بشكل غير مسبوق.

تحول دبلوماسي تقوده قيادات يمينية

تشهد العلاقات بين أمريكا اللاتينية وإسرائيل تحولاً جذرياً في المشهد الدبلوماسي. فبعد فترة من التوتر والعزل التي تلت الحرب الإسرائيلية على غزة، بدأت موجة من القادة الجدد في المنطقة في عكس المسار السابق. ويبرز هذا التحول بشكل جلي في تصريحات وزير الخارجية الإسرائيلي، غدعون ساعر، الذي أشار في أكتوبر 2026 إلى أن قرار كولومبيا بنقل سفارتها إلى القدس يمثل انتصاراً في "المعركة الدبلوماسية من أجل الحقيقة".

هذا التحول ليس مجرد تغيير في المواقف، بل هو إعادة صياغة للرواية الدبلوماسية في المنطقة. فبينما كانت دول مثل كولومبيا تحت قيادة غوستافو بيترو تسعى لعزل إسرائيل، نجد اليوم أن حكومة أبيلاردو دي لا إسبرييلا تعمل على استعادة العلاقات، بما في ذلك السماح بالسفر بدون تأشيرة بين البلدين. هذا التغيير يعكس كيف يمكن لتغير الإدارة في دول أمريكا اللاتينية أن يقلب الموازين السياسية رأساً على عقب.

العوامل الدافعة وراء التقارب الجديد

يرى الخبراء أن هذا التحول ليس نتاج عامل واحد، بل هو نتيجة "تقارب" بين عدة قوى. توضح مارتا تاويل كوري، الأستاذة الباحثة في مركز الدراسات الدولية في كلية المكسيك، أن هناك ثلاثة محركات رئيسية: القيادات اليمينية التي تسعى للحصول على الشرعية من واشنطن، والقواعد الانتخابية الإنجيلية التي توفر الأساس الأيديولوجي والانتخابي، بالإضافة إلى الهجوم الدبلوماسي الإسرائيلي الذي وجد أرضاً خصبة في أمريكا اللاتينية في وقت تتدهور فيه صورة إسرائيل في أماكن أخرى.

علاوة على ذلك، تلعب جماعات الضغط (Lobbying) دوراً محورياً، حيث تدفع المنظمات المدعومة من الحكومة الإسرائيلية والمجموعات المسيحية الإنجيلية نحو دعم إسرائيل. هذا المزيج بين الطموح السياسي المحلي والضغط الأيديولوجي الدولي خلق بيئة مواتية للقادة الجدد لإعادة بناء الجسور مع تل أبيب.

الانتخابات كساحة للصراع الدبلوماسي

أصبحت العلاقة مع إسرائيل ورقة انتخابية قوية في العديد من دول المنطقة. في البرازيل، أكبر اقتصاد في المنطقة، تبرز القضية كعنصر أساسي في الحملة الانتخابية الرئاسية. فبينما يتبنى الرئيس لويس إناثيو لولا دا سيلفا مواقف داعمة لفلسطين، يواجه منافسه اليميني السيناتور فلافيو بولسونارو، الذي يستخدم علاقاته مع إسرائيل وصداقته مع رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو لتعزيز شعبيته. وقد أظهر بولسونارو قوة مفاجئة في الجولة الأولى، مما أثار آمالاً في تهدئة العلاقات مع المسؤولين الإسرائيليين.

في الأرجنتين، نجد نموذجاً صارخاً مع الرئيس اليميني الشعبوي خافيير ميلي، الذي وصف نفسه بأنه "أكثر رئيس صهيوني في العالم". ميلي لم يكتفِ بالتعهد بنقل السفارة إلى القدس، بل رفض الاعتراف بالدولة الفلسطينية في الأمم المتحدة، مما يوضح كيف يمكن للأيديولوجيا الشخصية للقائد أن تشكل السياسة الخارجية للدولة بشكل كامل.

ضعف المؤسسات الدبلوماسية وتأثيرها

تؤكد الأبحاث أن طبيعة الأنظمة السياسية في أمريكا اللاتينية تلعب دوراً حاسماً في سرعة هذا التحول. فخلافاً للولايات المتحدة، حيث يتميز دعم إسرائيل بالاستقرار النسبي عبر الإدارات المختلفة بفضل المؤسسات الراسخة والتوافق الحزبي، تعاني العديد من دول أمريكا اللاتينية من ضعف في الأجهزة الدبلوماسية غير الاحترافية. هذا الضعف يسمح لرؤساء الدول الجدد بتغيير السياسة الخارجية بشكل حاد وسريع من انتخاب إلى آخر.

هذا التذبذب يعني أن السياسة الخارجية في المنطقة قد لا تكون مستقرة على المدى الطويل، بل هي رهينة للنتائج الانتخابية. فبمجرد تغيير الرئيس، يمكن إلغاء اتفاقيات تعاون عسكري أو أمني أو حتى تغيير موقع السفارات، كما حدث في كولومبيا وتشيلي وهندوراس، حيث عكست الحكومات الجديدة قرارات سلفيها من اليسار.

نماذج من التحولات الإقليمية

يمكن رصد سلسلة من التغييرات المتلاحقة في دول مختلفة:

  • كولومبيا: بعد أن قطع غوستافو بيترو العلاقات ووقف تصدير الفحم لإسرائيل، سارع خليفته دي لا إسبرييلا إلى عكس هذه السياسات، بما في ذلك الاعتراف بالسيطرة الإسرائيلية على الجولان السوري.
  • بوليفيا: بعد سنوات من رفض العلاقات الدبلوماسية الكاملة تحت إدارة إيفو موراليس ولويس آرس، قام خليفته رودريغو باز بعكس هذه السياسة فور توليه المنصب في أغسطس.
  • تشيلي: قام الرئيس خوسيه أنطونيو كاست بإلغاء إجراءات سلفه اليساري وتعيين سفير يصف نفسه بأنه "صهيوني فخور".
  • هندوراس: مع وصول الرئيس ناسي أصفورا إلى السلطة في يناير، تمت إعادة تعيين سفير لدى إسرائيل.
  • فنزويلا: أعلنت فنزويلا في أغسطس عن استعادة العلاقات القنصلية مع إسرائيل.

الخلاصة

إن التحول في علاقات أمريكا اللاتينية مع إسرائيل ليس مجرد تغيير في المواقف الدبلوماسية، بل هو انعكاس لتقاطع المصالح السياسية المحلية مع الأيديولوجيا الدينية والتحولات الجيوسياسية العالمية. وبينما تسعى القوى اليمينية الجديدة للتقارب مع التوجهات الأمريكية، تظل هذه العلاقات عرضة للتقلبات الشديدة المرتبطة بالدورات الانتخابية وضعف المؤسسات الدبلوماسية في المنطقة.

الأسئلة الشائعة

لماذا تنقل بعض الدول سفاراتها إلى القدس؟

يتم ذلك كجزء من استراتيجية التقارب مع إسرائيل، وسعياً لتعزيز العلاقات مع الولايات المتحدة، وتماشياً مع الرواية الدبلوماسية الجديدة التي تتبناها بعض الحكومات اليمينية.

ما هو دور الجماعات الإنجيلية في هذا التقارب؟

تعمل هذه الجماعات كمحرك أيديولوجي وقاعدة انتخابية، حيث تضغط من أجل دعم إسرائيل وتوفر للقادة اليمينيين دعماً سياسياً واجتماعياً قوياً.

كيف يؤثر التقارب مع إسرائيل على الانتخابات؟

أصبح الموقف من إسرائيل قضية انتخابية محورية؛ حيث يستخدم المرشحون اليمينيون دعم إسرائيل لجذب الناخبين، بينما يستخدم المرشحون اليساريون دعم فلسطين كركيزة لحملاتهم.

هل يؤثر هذا التحول على استقرار السياسة الخارجية؟

نعم، نظراً لضعف المؤسسات الدبلوماسية في العديد من دول المنطقة، يمكن أن تتغير السياسة الخارجية بشكل حاد وسريع مع تغير الحكومات، مما يجعل العلاقات غير مستقرة على المدى الطويل.

النقاط الرئيسية

  • تشهد أمريكا اللاتينية موجة من التقارب مع إسرائيل تقودها حكومات يمينية.
  • التقارب مدفوع بتلاقي المصالح السياسية، الضغط الإنجيلي، والرغبة في التوافق مع واشنطن.
  • الانتخابات في دول مثل البرازيل والأرجنتين أصبحت ساحة للمنافسة حول الموقف من إسرائيل.
  • ضعف المؤسسات الدبلوماسية يجعل التحولات السياسية في المنطقة حادة وسريعة.
  • دول مثل كولومبيا وتشيلي وهندوراس شهدت تحولات جذرية في مواقفها مؤخراً.
يوسف المنصوري

يوسف المنصوري صحفي ومحلل سياسي مغربي متخصص في العلاقات الدولية والشؤون الدبلوماسية. يتابع عن كثب التطورات السياسية في العالم العربي وأفريقيا وأوروبا، ويهتم بشكل خاص بقضايا التعاون الإقليمي والتحولات الجيوسياسية. يتميز بأسلوب تحليلي يجمع بين الدقة والوضوح.