كشف تحقيق استقصائي أجراه فريق من بي بي سي عن واقع مرير ومعاناة يومية تعيشها نساء عراقيات يتعرضن للتحرش الجنسي في الأماكن العامة. يسلط التحقيق الضوء على البيئة الاجتماعية والقانونية التي تفتقر إلى آليات الحماية الفعالة، مما يفرض على الضحايا نوعاً من الصمت القسري خوفاً من الوصمة الاجتماعية أو الانتقام. كما يبرز التحقيق كيف تساهم الثغرات التشريعية في تفاقم هذه الظاهرة، مما يجعل النساء في مواجهة مباشرة مع مخاطر الشارع دون سند قانوني يحميهن من الاعتداءات المتكررة التي تلاحقهن في حياتهن اليومية.
ما هي التحديات القانونية التي تواجه النساء في العراق؟
تواجه النساء في العراق تحديات قانونية هيكلية تعيق قدرتهن على نيل العدالة والحماية من التحرش والعنف الجنسي. تكمن المشكلة الأساسية في غياب تعريف قانوني واضح ومحدد لمصطلح "التحرش" في قانون العقوبات العراقي الحالي. وبدلاً من ذلك، يعتمد القانون على استخدام تعابير غامضة وفضفاضة مثل "التعرض لأنثى" أو "ارتكاب فعل فاضح".
هذه الضبابية في النصوص القانونية تفتح ثغرات واسعة أمام الجناة، حيث تتيح لهم المحامين الدفع بعدم كفاية الأدلة أو عدم انطباق التوصيف القانوني على الفعل، مما يؤدي في كثير من الأحيان إلى تبرئة المعتدين أو تخفيف العقوبات المترتبة عليهم بشكل لا يتناسب مع حجم الجريمة. هذا القصور التشريعي يترك الضحايا في حالة من الإحباط، حيث يشعرن أن القانون لا يوفر لهن رادعاً حقيقياً أو حماية فعلية ضد الاعتداءات التي يتعرضن لها.
كيف تؤثر الأعراف الاجتماعية على الإبلاغ عن التحرش؟
تلعب الأعراف والتقاليد الاجتماعية دوراً محورياً في صياغة واقع العنف ضد المرأة في العراق، حيث تعمل هذه الأعراف كحواجز صامتة تمنع النساء من المطالبة بحقوقهن. وقد أقر مقداد ميري، المتحدث باسم وزارة الداخلية، في تصريح لبي بي سي بأن هذه الأعراف والتقاليد تحول دون الإبلاغ عن الكثير من حوادث التحرش والعنف الجسدي أو الجنسي.
يبرز مفهوم "العار" كأداة للضغط الاجتماعي؛ فكثير من النساء يفضلن الصمت لتجنب الوصمة الاجتماعية التي قد تلحق بهن أو بعائلاتهن. هذا الصمت ليس اختيارياً دائماً، بل هو نتيجة خوف من الانتقام الاجتماعي أو الحرمان الاقتصادي. وتتجلى مأساوية هذا الوضع في قصص مثل قصة "أمل"، التي اكتشفت تعرض ابنتها للاغتصاب من قبل زوجها السابق تحت تهديد السلاح، ورغم وجود فحوصات طبية تثبت الجريمة، إلا أن الجاني فر من العدالة مستخدماً ذريعة "غسل العار"، وهو تعبير محلي يشير إلى قتل الضحية لإخفاء الجريمة وحماية السمعة، مما يعكس كيف يمكن للثقافة الاجتماعية أن تتحول إلى أداة لارتكاب جرائم قتل وتغطية على الاعتداءات.
ما هي التحديات التي تواجه الناشطات في العراق؟
لا يتوقف العنف عند الضحايا المباشرات، بل يمتد ليطال الناشطات اللواتي يحاولن كسر حاجز الصمت. تواجه الناشطات في العراق تهديدات وجودية وملاحقات إلكترونية شرسة. سارة جاسم، على سبيل المثال، التي حولت صفحتها لمنصة لتوثيق الاعتداءات، وجدت نفسها تواجه تهديدات بالقتل، ووعيداً بتشويه الوجه باستخدام المياه الحارقة، بالإضافة إلى حملات تشويه إلكترونية تعتمد على صور مفبركة. هذه الضغوط دفعتها لتقييد تحركاتها والعيش تحت سقف من الخوف الدائم.
وتصل هذه التهديدات إلى حد القتل الفعلي، كما حدث مع فينار محمد، الناشطة التي كرست حياتها ومالها لتأسيس ملاجئ للنساء ضحايا العنف، والتي قُتلت أمام منزلها في مارس الماضي ولا تزال هوية قاتلها مجهولة حتى الآن. إن استهداف الناشطات يهدف بالأساس إلى ترهيب المجتمع ومنع أي محاولة لتسليط الضوء على هذه القضايا، مما يجعل العمل الحقوقي في العراق مغامرة محفوفة بالمخاطر الجسيمة.
ما هي الحلول المقترحة لتحسين الوضع؟
أمام هذا الواقع المرير، تبرز دعوات ملحة من منظمات حقوقية ودولية لتغيير المنظومة القانونية والاجتماعية. تطالب منظمات دولية كبرى مثل منظمة العفو الدولية، وهيومن رايتس ووتش، والمفوضية السامية لحقوق الإنسان، بضرورة تعديل التشريعات العراقية لسد الثغرات التي تسمح بالإفلات من العقاب. وتتركز هذه المطالب على إلغاء أو تعديل المواد التي تمنح تخفيفاً للعقوبات في الجرائم القائمة على النوع الاجتماعي.
من أبرز هذه المواد هي المادة 409 من قانون العقوبات، التي تمنح أحكاماً مخففة فيما يعرف بـ "جرائم الشرف"، مما يسمح للجناة بالهروب من العقوبات القصوى. الحلول المقترحة لا تقتصر فقط على تعديل النصوص، بل تمتد لتشمل توفير تعريفات قانونية دقيقة وصارمة للتحرش، وتعزيز قدرة المؤسسات الأمنية على الاستجابة، وتوفير حماية حقيقية للضحايا والناشطات على حد سواء، لضمان عدم تحول الصمت إلى وسيلة لتشجيع استمرار العنف.
ما هو دور المجتمع الدولي في دعم حقوق النساء في العراق؟
يلعب المجتمع الدولي دوراً رقابياً وضاغطاً من خلال إصدار التقارير الدورية التي تسلط الضوء على الانتهاكات في العراق. هذه التقارير تعمل كأداة لرفع مستوى الوعي العالمي وتوجيه الضغط نحو الحكومات العراقية المتعاقبة لاتخاذ خطوات ملموسة في حماية النساء. ومع ذلك، تظل الفجوة كبيرة بين المطالبات الدولية والواقع المحلي.
تتمثل الحاجة الملحة في دعم إنشاء وتوسيع نطاق الملاجئ المخصصة للنساء، حيث أن الملاجئ الحالية محدودة للغاية وتعتمد في كثير من الأحيان على جهود منظمات حقوقية محلية ودولية، وهي لا تستطيع تلبية الاحتياجات المتزايدة. إن دور المجتمع الدولي يتجاوز مجرد إصدار التقارير إلى ضرورة دعم البنية التحتية للحماية، سواء من خلال الدعم المادي للملاجئ أو الضغط السياسي لتوفير حماية أمنية فعالة، خاصة وأن بعض رجال الأمن أنفسهم قد يظهرون استهانة بالتحرش، كما حدث في حالة "سميرة" التي واجهت رفضاً واستهانة من دورية أمنية عندما لجأت إليهم طلباً للحماية من ملاحقة سيارة لها.
FAQ: حماية النساء من التحرش والعنف الجنسي في العراق
ما هي العقوبات الحالية على التحرش في العراق؟
العقوبات الحالية تتسم بالغموض بسبب استخدام تعابير فضفاضة في قانون العقوبات مثل "التعرض لأنثى" أو "فعل فاضح"، مما يفتح ثغرات قانونية تسمح بتخفيف العقوبات أو تبرئة الجناة.
كيف يمكن للنساء الإبلاغ عن التحرش في العراق؟
يمكن الإبلاغ عبر الجهات الأمنية، لكن هذا المسار يواجه تحديات كبيرة؛ فمن جهة هناك أعراف اجتماعية تمنع الإبلاغ خوفاً من العار، ومن جهة أخرى قد تواجه النساء استهانة من بعض رجال الأمن الذين قد يعتبرون الأمر خارج اختصاصهم.
ما هي الجهود المبذولة لحماية النساء في العراق؟
تتمثل الجهود في محاولات ناشطات مثل سارة جاسم لتوثيق الاعتداءات بالفيديو لاستخدامها كدليل، بالإضافة إلى جهود منظمات حقوقية في تأسيس ملاجئ، ومطالبات دولية مستمرة بتعديل القوانين.
هل توجد ملاجئ للنساء في العراق؟
نعم، توجد ملاجئ، لكنها محدودة للغاية وتعتمد غالباً على جهود المنظمات المحلية والدولية، وهي غير كافية للاستجابة للحاجة المتزايدة للضحايا.
ما هو دور الناشطات في مكافحة التحرش في العراق؟
تقوم الناشطات بدور حيوي في توثيق الجرائم، وإنشاء منصات لمشاركة القصص، وتأسيس ملاجئ، رغم تعرضهن لتهديدات بالقتل، وحملات تشويه، وملاحقات إلكترونية.
الخلاصة والنتائج الرئيسية
- لا يوجد تعريف قانوني واضح ومحدد للتحرش في قانون العقوبات العراقي، مما يسهل الإفلات من العقاب.
- الأعراف والتقاليد الاجتماعية، وخاصة مفهوم "العار"، تفرض صمتاً قسرياً على الضحايا.
- تواجه الناشطات تهديدات وجودية تشمل القتل والتشويه الإلكتروني والجسدي.
- تطالب المنظمات الدولية بإلغاء المواد القانونية التي تسمح بتخفيف العقوبات في جرائم النوع الاجتماعي.
- المؤسسات الأمنية والاجتماعية تعاني من قصور في توفير الحماية الفعالة والتعامل الجدي مع البلاغات.




