شهدت مدينة إسطنبول ظاهرة جوية استثنائية أدت إلى فيضانات مدمرة، وسط تساؤلات ملحة حول مدى قدرة البنية التحتية والمساحات الخضراء على مواجهة هذه الكميات غير المسبوقة من الأمطار. لقد كشفت هذه الموجة عن فجوات عميقة في التخطيط الحضري، حيث تسببت الكثافة الخرسانية في منع امتصاص المياه، مما حول الشوارع إلى مجاري مائية. يواجه السكان الآن واقعاً صعباً يتطلب إعادة نظر شاملة في إدارة الأزمات المناخية وتطوير أنظمة الصرف الصحي، خاصة مع تسجيل معدلات أمطار قياسية بلغت 272 كجم/متر مربع، مما يضع قدرة المدينة على الصمود تحت اختبار حقيقي وخطير.
أرقام قياسية غير مسبوقة في تاريخ إسطنبول
دخلت الأمطار التي سُجّلت في إسطنبول يوم 14 أكتوبر/تشرين الأول ضمن أشد الظواهر الجوية التي شهدتها المدينة منذ بدء تدوين السجلات. ووفقاً لوزير الداخلية مصطفى تشيفتشي، فقد بلغت كمية الأمطار في بعض المناطق 272 كيلوغراماً لكل متر مربع، وهو رقم يضع المدينة أمام واقع مناخي جديد ومقلق.
لتوضيح ضخامة هذا الرقم، قارن الخبراء هذه الكمية بالسجلات التاريخية للمدينة. فبحسب المديرية العامة للأرصاد الجوية، كانت أعلى كمية أمطار يومية سُجلت في منطقة شيله بتاريخ 17 أكتوبر/تشرين الأول 1985 قد بلغت 199.3 كيلوغراماً لكل متر مربع. أما في سجلات مرصد قنديلي التي تعود إلى عام 1911، فإن أعلى كمية بلغت 165.8 كيلوغراماً لكل متر مربع في يوليو 1951.
ويؤكد الدكتور عبد الله قهرمان، المتخصص في الظواهر الجوية المتطرفة وتغيّر المناخ بجامعة نيوكاسل، على استثنائية ما حدث في منطقة بيكوز، حيث بلغت الأمطار 272 كيلوغراماً لكل متر مربع. ويشير قهرمان إلى أن هذا الرقم يمثل قفزة هائلة مقارنة بمتوسط هطول الأمطار السنوي في إسطنبول، والذي يبلغ 660 كيلوغراماً لكل متر مربع، مما يعني أن جزءاً كبيراً من المعدل السنوي سقط في وقت وجيز جداً.
فهم كمية الأمطار: من الكيلوغرام إلى المليمتر
قد يثير مصطلح "كيلوغرام لكل متر مربع" تساؤلات حول كيفية قياس هذا الهطول. ويوضح الأستاذ المشارك في قسم الجغرافيا بجامعة قرشهير آهي إفران، دوغوكان دوغو يافاشلي، هذا المفهوم من خلال مثال توضيحي: إذا تخيلنا حوضاً زجاجياً قاعدته متر مربع واحد، وسكبنا فيه لتراً من الماء (ما يعادل كيلوغراماً واحداً)، فإن ارتفاع الماء سيصل إلى مليمتر واحد.
وبناءً على ذلك، فإن هطول 272 كيلوغراماً لكل متر مربع في بيكوز يعني فعلياً تراكم طبقة من المياه بارتفاع 27.2 سنتيمتراً، وذلك في حال تجمعت المياه دون أن تتسرب إلى التربة أو يتم تصريفها عبر القنوات. ومع ذلك، يرى الخبراء أن هذا الارتفاع ليس العامل الوحيد في الكارثة؛ فمدة الهطول تلعب دوراً حاسماً. فالأمطار التي تهطل بغزارة شديدة خلال ساعات قليلة أو أقل، تتحول بسرعة إلى مياه جارفة في الأودية والمناطق الحضرية، خاصة في ظل وجود الأسطح الخرسانية التي تمنع الامتصاص.
أثر الأسطح غير المنفذة وتوسع الزحف العمراني
تعد الأسطح غير المنفذة للمياه، مثل الأسفلت والخرسانة، من أكبر العوامل التي تزيد من خطورة الفيضانات. وتظهر الدراسات أن المساحات التي لا تسمح بتسرب المياه إلى التربة في إسطنبول قد اتسعت بوتيرة سريعة على مدار العقود الأربعة الماضية. ففي عام 1987، كانت مناطق مثل فاتح وقاضي كوي وزيتون بورنو تضم أسطحاً اصطناعية تغطي 70% من مساحتها، ولكن بحلول عام 2011، انضمت مناطق أخرى مثل باكيركوي، بهتشلي إيفلر، باغجيلار، غونغورين، بشيكتاش، أوسكودار، شيشلي، وبيوغلو إلى هذه القائمة.
ويشير "مؤشر إسطنبول للمدينة الخضراء" الصادر عن جامعة مرمرة عام 2025 إلى وجود علاقة مباشرة بين كثافة هذه الأسطح وخطر الفيضانات. فالمناطق ذات الكثافة العمرانية المرتفعة مثل غونغورين وكاغيتهانه تقع في مراتب متقدمة من حيث خطر الفيضانات. ورغم أن مناطق مثل شيله وبيكوز تبدو في وضع أفضل نسبياً بسبب انخفاض نسبة الأسطح غير المنفذة، إلا أنها لم تسلم من الفيضانات، مما يثبت أن شدة الأمطار وحدها قد تتجاوز قدرة أي نظام تصريف.
المياه التي "مُحيت من الخرائط" وتاريخ الأنهار المنسية
يرى الخبراء أن جزءاً كبيراً من الكارثة يعود إلى تجاهل المسارات الطبيعية للمياه. يشير دوغوكان دوغو يافاشلي إلى أن الأجزاء الجنوبية من إسطنبول تضم مجاري أنهار قديمة وأودية تم التوسع العمراني فوقها. ويستشهد بأسماء الأنهار التي فاضت مؤخراً، مثل نهر أيازاغا، ونهر كاغيتهانه، ونهر علي بيه، ونهرا ريفا وتشاملي بهتشه.
ويوضح يافاشلي أن العديد من هذه المناطق تقع فوق سهول فيضية أو مجاري أنهار قديمة. ويضرب مثالاً بالشارع الذي شهد وفاة شخص في أيازاغا، والذي يحمل اسم "ديري بويو" (أي ضفة النهر)، مما يعكس حقيقة أن المياه التي حُذفت من الخرائط الرسمية لم تُحذف من الواقع الجغرافي، بل وجدت طريقها للعودة عبر الفيضانات.
الخلاصة
توضح فيضانات إسطنبول الأخيرة أن مواجهة الظواهر الجوية المتطرفة تتطلب ما هو أكثر من مجرد مراقبة الطقس؛ إنها تتطلب إعادة نظر شاملة في التخطيط العمراني، واحترام المسارات الطبيعية للأنهار، وتقليل الاعتماد على الأسطح الخرسانية التي تمنع الأرض من التنفس وامتصاص المياه.
FAQ: فيضانات إسطنبول
ما هي كمية الأمطار التي سقطت في إسطنبول؟
بلغت كمية الأمطار في بعض المناطق، مثل بيكوز، 272 كيلوغراماً لكل متر مربع، وهو رقم قياسي يتجاوز أعلى السجلات السابقة في المدينة.
كيف تؤثر الأسطح الخرسانية على الفيضانات؟
تعمل الأسطح غير المنفذة مثل الأسفلت والخرسانة على منع تسرب مياه الأمطار إلى التربة، مما يؤدي إلى تجمعها بسرعة وتحولها إلى مياه جارفة تزيد من خطر الفيضانات.
لماذا تفيض مناطق معينة في إسطنبول رغم وجود تصريف؟
يعود ذلك غالباً إلى وقوع هذه المناطق فوق مجاري أنهار قديمة أو سهول فيضية تم البناء فوقها، مما يجعل المياه تعود لمساراتها الطبيعية المنسية.
ما هو الفرق بين الكيلوغرام والمليمتر في قياس الأمطار؟
الكيلوغرام لكل متر مربع يعبر عن كتلة الماء، وهو ما يعادل ارتفاع المليمترات؛ فمثلاً 272 كيلوغراماً لكل متر مربع تعادل طبقة مائية بارتفاع 27.2 سنتيمتراً إذا لم تتسرب المياه.
Key takeaways
- سجلت إسطنبول كميات أمطار استثنائية بلغت 272 كجم/متر مربع في بيكوز.
- التوسع العمراني زاد من نسبة الأسطح غير المنفذة للمياه لتتجاوز 70% في مناطق عديدة.
- هناك علاقة وثيقة بين الكثافة العمرانية وارتفاع مؤشر خطر الفيضانات.
- الفيضانات كشفت عن عودة المياه لمجاري الأنهار القديمة التي غُطيت بالبناء.




