في خطوة تاريخية غير مسبوقة، تم اختيار المحامية فاطمة الزهراء المنصوري لتولي منصب رئيسة الحكومة في المملكة المغربية، لتصبح بذلك أول امرأة تشغل هذا المنصب الرفيع في تاريخ البلاد. يأتي هذا التعيين الملكي من طرف الملك محمد السادس في سياق سياسي حساس، حيث يراهن المغرب من خلال هذه الخطوة الجريئة على استعادة ثقة فئة الشباب في المؤسسات السياسية. كما تهدف هذه التعيينات إلى تعزيز تمثيلية المرأة في مراكز صنع القرار، ومواجهة التحديات الاقتصادية والاجتماعية الراهنة عبر رؤية جديدة تهدف لتحقيق نمو مستدام وشامل لجميع فئات المجتمع المغربي.
من هي فاطمة الزهراء المنصوري؟
تعد فاطمة الزهراء المنصوري، البالغة من العمر 50 عامًا، شخصية سياسية بارزة استطاعت حجز مكانة متقدمة في المشهد المغربي. تتحدر المنصوري من أسرة من أعيان مدينة مراكش، وهي المدينة التي شكلت حجر الزاوية في مسيرتها السياسية والمهنية. لم تكن المنصوري مجرد اسم عابر، بل بدأت مسارها من العمل المحلي الميداني، حيث انتُخبت رئيسة لبلدية مراكش في عام 2009، لتسجل حينها سابقة كأول امرأة تتولى هذا المنصب في المدينة. ورغم تعرضها لانتكاسة سياسية في عام 2015 بخسارتها رئاسة البلدية أمام حزب العدالة والتنمية الإسلامي، إلا أنها استطاعت العودة بقوة لتنتخب مجددًا لرئاسة البلدية في عام 2021 لولاية مدتها ست سنوات.
هذا المسار المحلي الطويل منحها خبرة في إدارة الشأن العام، وهو ما مهد الطريق لصعودها إلى المستوى الوطني. وقد صرحت المنصوري في مقابلة صحافية مؤخرًا بأنها بدأت السياسة على الصعيد المحلي، مؤكدة أن ثقتها تستمدها من مواطني مراكش الذين وثقوا بها في محطات مختلفة من مسيرتها.
المسيرة السياسية والصعود إلى رئاسة الحكومة
ارتبط اسم المنصوري منذ البداية بحزب الأصالة والمعاصرة، الذي تأسس في عام 2008 على يد فؤاد عالي الهمة، المستشار الحالي للملك، وذلك في سياق صعود التيارات الإسلامية آنذاك. دخلت المنصوري المعترك الحزبي مع تأسيس الحزب، وسرعان ما برزت كقيادية، حيث انتُخبت نائبة في البرلمان بعد عامين من تأسيس الحزب. ورغم أن حضورها في النقاش السياسي الوطني ظل يتسم بالتحفظ مقارنة بنشاطها المحلي والحزبي، إلا أن دورها تعاظم بشكل ملحوظ في السنوات الأخيرة.
في عام 2024، انتقلت المنصوري إلى مرحلة جديدة من القيادة الحزبية عندما أصبحت منسقة وطنية للحزب ضمن قيادة جماعية ثلاثية. وجاء تعيينها من قبل الملك محمد السادس يوم الثلاثاء 29 سبتمبر 2026، في أعقاب تصدر حزب الأصالة والمعاصرة للانتخابات التشريعية. وقد حقق حزبها 97 مقعدًا في مجلس النواب المكون من 395 مقعدًا، وهو ما منحه الصدارة دون تحقيق غالبية مطلقة، مما يضع المنصوري أمام مهمة سياسية معقدة تتمثل في تشكيل ائتلاف حكومي مع أحزاب أخرى لضمان القدرة على العمل والتشريع.
ومن الجدير بالذكر أن الصعود السياسي للمنصوري لم يكن خالياً من المنافسة داخل حزبها؛ فخلال الحملة الانتخابية الأخيرة، برز بجانبها فوزي لقجع، رئيس الاتحاد المغربي لكرة القدم والوافد الجديد على الحزب، والذي تداولته وسائل الإعلام كمرشح محتمل لرئاسة الحكومة، مما يعكس حيوية وتنافسية المشهد داخل حزب الأصالة والمعاصرة.
التحديات السياسية: استعادة ثقة المؤسسات والشباب
تجد المنصوري نفسها أمام اختبار حقيقي يتعلق بشرعية المؤسسات المنتخبة وقدرتها على جذب المواطنين. فقد كشفت نتائج الانتخابات الأخيرة عن واقع مقلق، حيث لم تتجاوز نسبة المشاركة 38%، وهي النسبة الأدنى التي تسجل منذ عقدين. هذا العزوف يتركز بشكل خاص لدى فئة الشباب، الذين يمثلون الشريحة الأكثر تضرراً من قضايا البطالة والتفاوتات الاجتماعية.
وقد تجلت أزمة الثقة في عدة مظاهر ميدانية، منها الاحتجاجات التي قادتها حركة "جيل زد 212" عبر الإنترنت، والتي طالبت بإصلاحات جذرية في قطاعي الصحة والتعليم ومكافحة الرشوة. كما أن الضغوط الاجتماعية ظهرت بوضوح في أزمة الهجرة بمدينة سبتة، حيث حاول عشرات الآلاف من المهاجرين عبور الحدود نحو الجيب الإسباني، مما يعكس حجم التحديات التي تواجهها الدولة. وفي هذا السياق، أدركت المنصوري حجم المسؤولية، حيث أكدت خلال الحملة الانتخابية أن الشباب يمرون بأزمة تتطلب إجابات وحلولاً ملموسة تتجاوز مجرد الخطابات لإعادة الأمل إليهم.
البرنامج الانتخابي والرهانات الاقتصادية والاجتماعية
تعتمد حكومة المنصوري على برنامج انتخابي طموح وضعه حزب الأصالة والمعاصرة، يهدف إلى معالجة الاختلالات الهيكلية في الاقتصاد والمجتمع. ومن أبرز الوعود التي قطعها الحزب: استحداث مليون فرصة عمل خلال خمس سنوات، وتحقيق معدل نمو سنوي يصل إلى 5%. كما يركز البرنامج على دعم القدرة الشرائية للمواطنين وتحسين جودة الخدمات العامة، لا سيما في قطاعي الصحة والتعليم.
وقد تمتلك المنصوري خبرة سابقة في هذا الملف، حيث شغلت في الحكومة المنتهية ولايتها منصب وزيرة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة، وكانت قد أشرفت بشكل خاص على برنامج للدعم المباشر لاقتناء السكن. هذا الخلفية الوزارية ستكون حاسمة في تنفيذ الوعود المتعلقة بالعدالة الاجتماعية وتقليص الفوارق بين الفئات المختلفة.
الاستعدادات لمونديال 2030 والاستثمارات الكبرى
إلى جانب الملفات الاجتماعية والسياسية، ستكون حكومة المنصوري مسؤولة عن إدارة ملف استراتيجي ضخم يتعلق بالبنية التحتية. فالمغرب يستعد لاستضافة كأس العالم لكرة القدم عام 2030 بالاشتراك مع إسبانيا والبرتغال. هذا الحدث العالمي يتطلب إشرافاً دقيقاً على مرحلة حاسمة من الاستثمارات الكبرى في البنية التحتية لضمان جاهزية البلاد.
إن نجاح المنصوري في إدارة هذا الملف، بالتوازي مع تحقيق الوعود الاقتصادية والاجتماعية، سيكون هو المعيار الحقيقي لنجاح تجربتها كأول امرأة تترأس الحكومة في المغرب، خاصة في ظل الصلاحيات الواسعة التي يحتفظ بها الملك في المجالات الاستراتيجية مثل السياسة الخارجية والدفاع، مما يفرض على الحكومة العمل ضمن إطار متناغم مع التوجهات الملكية الكبرى.
الأسئلة الشائعة
ما هي خلفية فاطمة الزهراء المنصوري؟
فاطمة الزهراء المنصوري هي محامية وتتحدر من أسرة من أعيان مدينة مراكش، ولديها مسيرة سياسية طويلة بدأت من رئاسة بلدية مراكش وصولاً إلى رئاسة الحكومة.
ما هي التحديات الرئيسية التي تواجه المنصوري؟
تواجه المنصوري تحدي استعادة ثقة الشباب في المؤسسات بعد انخفاض نسبة المشاركة الانتخابية، بالإضافة إلى تحديات البطالة، التفاوتات الاجتماعية، وإدارة ملفات البنية التحتية لمونديال 2030.
ما هي الوعود الاقتصادية لحزب الأصالة والمعاصرة؟
وعد الحزب بخلق مليون فرصة عمل في غضون خمس سنوات، وتحقيق نمو سنوي بنسبة 5%، ودعم القدرة الشرائية وتحسين الخدمات العامة.
كيف ستشكل المنصوري حكومتها؟
بما أن حزبها لم يحقق غالبية مطلقة في مجلس النواب (حصد 97 مقعداً من أصل 395)، سيتعين عليها تشكيل ائتلاف مع أحزاب أخرى لضمان أغلبية برلمانية.
خلاصة القول
تمثل تعيين فاطمة الزهراء المنصوري تحولاً تاريخياً في المسار السياسي المغربي. وبينما تفتح هذه الخطوة آفاقاً جديدة لتمثيل المرأة في أعلى هرم السلطة التنفيذية، فإن نجاحها يظل رهيناً بقدرتها على تحويل الوعود الانتخابية إلى واقع ملموس، واستعادة ثقة جيل جديد يطالب بالإصلاح والعدالة الاجتماعية والنمو الاقتصادي.
أهم النقاط المستخلصة
- فاطمة الزهراء المنصوري هي أول امرأة تتولى رئاسة الحكومة في تاريخ المغرب.
- تتحمل المنصوري مسؤولية استعادة ثقة الشباب وتجاوز أزمة العزوف عن المشاركة السياسية.
- يهدف البرنامج الحكومي إلى خلق مليون فرصة عمل وتحقيق نمو اقتصادي بنسبة 5%.
- ستشرف الحكومة على ملفات استراتيجية كبرى، أبرزها الاستعدادات لمونديال 2030.
- يتطلب نجاح الحكومة بناء ائتلاف برلماني قوي لضمان القدرة على التشريع والعمل.




