بينما تستفيد الولايات المتحدة بصفتها أكبر مصدر للديزل في العالم من ارتفاع الأسعار، يعاني سكانها من تكاليف معيشة باهظة ترهق كاهل المستهلكين بشكل مستمر. فما الذي يمنع اتفاق ترامب مع بوتين من تغيير واقع السوق العالمي؟ يرى المحللون أن تعقيدات سلاسل الإمداد والتوترات الجيوسياسية المستمرة تفرض قيوداً صارمة على العرض، مما يجعل من الصعب تحقيق استقرار حقيقي في الأسواق الدولية في المدى القريب، خاصة مع استمرار النزاعات المسلحة التي تعطل مسارات الشحن الرئيسية وتؤثر مباشرة على حجم التدفقات النفطية المتاحة عالمياً.

ما هو تأثير الحروب على سعر الديزل؟

تؤثر النزاعات المسلحة في إيران وأوكرانيا بشكل جوهري ومباشر على استقرار أسعار الديزل في الأسواق العالمية. وتوضح سامينا سلطان، خبيرة التجارة الخارجية في معهد الاقتصاد الألماني في كولونيا، أن السبب الرئيسي وراء استمرار الارتفاع يعود إلى الحرب في إيران والحصار المتزامن الذي يفرضه الصراع على مضيق هرمز ومضيق باب المندب.

هذا الحصار لا يقتصر أثره على تعطل حركة الملاحة فحسب، بل يمتد ليشمل تقليص طاقات التشغيل في المصافي، مما يجعل عملية نقل الوقود "أكثر تكلفة وأقل أمانًا وأكثر صعوبة". وتشير الأرقام إلى حجم الفجوة التي خلفتها هذه التوترات؛ فبينما يتدفق حوالي 13.5 مليون برميل من النفط الخام يوميًا عبر مضيق هرمز وفقًا لشركة "كبلر"، فإن حجم المنتجات المكررة مثل الديزل قد انهار من 3.6 مليون برميل يوميًا قبل الحرب إلى حوالي 677,000 برميل فقط حاليًا.

علاوة على ذلك، يضيف الاتفاق الجيوسياسي بين ترامب وبوتين تعقيداً جديداً، حيث يؤدي إلى اختلاط ملفي الحرب في أوكرانيا وإيران بشكل تام. وفي هذا السياق، يرى كارستن فريتش، محلل السلع الأساسية في بنك "كومرتسبانك"، أن استمرار الوضع الراهن في أوكرانيا وإيران سيجعل من فرص تذليل هذه العقبات أمراً صعباً للغاية، مما يبقي الأسواق تحت رحمة التقلبات الأمنية.

كيف يؤثر اتفاق ترامب مع روسيا على أسعار الديزل؟

في التاسع من أكتوبر، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في منشور له عن توجه لتعليق العقوبات المفروضة على روسيا مؤقتًا بهدف استيراد الديزل الروسي، واعداً بأن يؤدي ذلك إلى انخفاض الأسعار "بالنسبة للأمريكيين، بل وللعالم بأسره" بشكل قياسي وسريع. وقد أكدت روسيا هذا الاتفاق، حيث صرح المتحدث باسم الكرملين، ديمتري بيسكوف، عبر وكالة "تاس" أن توريد الوقود يخدم مصالح الأطراف الثلاثة: روسيا، والولايات المتحدة، وأسواق الطاقة العالمية.

لكن الواقع الاقتصادي يطرح تساؤلات حول مدى فاعلية هذا الوعود. فبالرغم من الارتفاع الحاد في الأسعار الذي شهدته الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي خلال الـ 12 شهرًا الماضية — حيث قفز السعر في أمريكا بنحو 60% ليصل إلى 6.30 دولار للغالون (ما يعادل 1.49 يورو للتر) — يرى الخبراء أن إغراق السوق بالديزل الروسي لن يعيد الأسعار إلى مستوياتها السابقة. والسبب يعود إلى أن العديد من مصافي التكرير في منطقة الخليج سجلت تعطلاً كبيراً، مما جعل عمليات النقل عبر أساطيل غير رسمية عملية مكلفة ومعقدة وغير آمنة، وهو ما يمتص أي وفورات قد تنتج عن الاتفاق.

لماذا تظل الولايات المتحدة أكبر مصدر للديزل؟

شهدت خارطة الطاقة العالمية تحولاً جذرياً؛ فلم تعد روسيا هي المورد المهيمن كما كانت في السابق، بل بات سكانها يعانون أيضاً من نقص في الوقود. وفي المقابل، صعدت الولايات المتحدة الأمريكية لتصبح في المرتبة الأولى عالمياً في تصدير الديزل. ففي عام 2025، بلغت صادرات الولايات المتحدة ما معدله 1.264 مليون برميل يومياً، وهو ما يمثل حوالي 15.4% من إجمالي الصادرات العالمية.

أما روسيا، فقد تراجعت إلى المرتبة الثانية بحصة بلغت 9.5% فقط من السوق. هذا التغيير في موازين القوى يعني أن أي قرار أمريكي يتعلق بقيود التصدير سيكون له صدى عالمي واسع. فبينما يعتمد الاتحاد الأوروبي بشكل متزايد على الديزل الأمريكي لتعويض النقص الناتج عن العقوبات المفروضة على روسيا منذ الهجوم على أوكرانيا، تظل أمريكا هي المحرك الرئيسي للتدفقات، مما يضع استقرار الأسواق في أمريكا اللاتينية وأوروبا تحت رحمة السياسات التجارية الأمريكية.

ما هو تأثير قيود التصدير الأمريكية على السوق العالمي؟

تثير احتمالية فرض الولايات المتحدة قيوداً على تصدير الديزل مخاوف جدية من حدوث اضطرابات في سلاسل الإمداد. ويوضح كارستن بريزكي، كبير الاقتصاديين في بنك ING، أن حظر التصدير لن يحل مشكلة النقص بل سيعيد توزيعها فقط، مما سيؤدي بالضرورة إلى استمرار ارتفاع أسعار السوق العالمية، وسيدفع المصافي إلى خفض إنتاجها نتيجة انخفاض هوامش الربح.

من جانبها، تشير سامينا سلطان إلى أن التوجه نحو فرض قيود التصدير قد يكون